محمد متولي الشعراوي
2606
تفسير الشعراوى
وأنت إن حكمت بين الناس حكما يتفق مع منطق الواقع والحق . تجعل الذي حكم له يشهد أن دينك حق ، فعندما يكون الحق مع الكافر ، وتحكم على المؤمن بالحكم الحق الذي لا حيف فيه حتى وإن كان عقابا ، فالكافر يقرع نفسه على أنه لم يكن من أهل هذا الدين الذي يعترف بالحق ويحكم به ولو كان على مسلم . وأيضا يعرف المسلم ساعة يحكم عليه لصالح واحد غير مسلم أن المسألة ليست نسبة شكلية إلى الإسلام ، ولكنها نسبة موضوعية ، فلا يظنن أحد أن الإسلام قد جاء ليحابى مسلما على أي إنسان آخر ، ولكن الإسلام قد جاء ليأخذ الجميع بمنطق الحق ، ويطبق على الجميع منهج الحق ، وليكون المسلم دائما في جانب الحق . وسبحانه وتعالى يعطى هذه القضية لواقعة حدثت معاصرة لرسول اللّه . والوقائع التي حدثت معاصرة لرسول اللّه كانت بمثابة إستدرار السماء للأحكام ، فالقضية تحدث وينزل فيها الحكم ، ولو جاءت الأحكام مبوبة وسقطت ونزلت مرة واحدة ، فقد تحدث الحادثة ويكون لدى المؤمنين الحكم ويحاولون البحث عنه في الكتاب . لكن إذا ما جاء الحكم ساعة وقوع الحادثة فهو ينصب عليها ، ويكون الأمر أدعى للإذعان له ؛ لأنه ثبت وأيّد ووثّق بواقعة تطبيقية . والحكم الذي نزل هو : « إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً » . وعندما يقول سبحانه « أَراكَ » أو « عَلَّمَكَ » فلتعلم أن تعليم اللّه هو أكثر تصديقا من رؤيتك الإنسانية ، وكأنك تتمثل الشئ الذي يعلمه لك اللّه وكأنه مجسد أمامك ، وليس مع العين أين . والواقعة التي حدثت هي : كان في « بنى ظفر » واحد اسمه « طعمة بن أبيرق » وسرق « طعمة » درعا ، وهذا الدرع كان « لقتادة بن النعمان » . وخاف « طعمة » أن يحتفظ بالدرع في بيته فيعرف الناس أنه سرق الدرع . وكان « طعمة » فيما يبدو مشهورا بأنه لص ، فذهب إلى يهودي وأودع عنده الدرع ، وكان الدرع في جراب دقيق . وحينما خرج به « طعمة » وحمله صار الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وتكونّ من الدقيق أثرا في الأرض إلى بيت اليهودي وكان اسمه « زيد بن السمين » ، وعندما تتبعوا أثر الدقيق وجدوه إلى بيت طعمة ، ولكنه حلف ما أخذها وما له بها